هشام جعيط

170

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

امبراطوريتهم بقي وسيبقى الشام ، إلى أن يحين وقت سقوطهم « 1 » . أما بخصوص بلاد الرافدين ذاتها ، فالسؤال المطروح والواجب طرحه وصوغه كما يلي هو : إلى أي حد تسرب التأثير الهلينستي بدءا بدائرة الحياة المدنية ؟ هل خلف آثارا باقية ؟ من اليسير الإحاطة بهذا المشكل ، لكن الإجابة المرضية غير ممكنة إلا إذا استعرضنا الخلفية التاريخية لما كان عليه الاستيطان الهلينستي في الشرق . خلافا للعرب والفرس ، المجاورين مباشرة للشرق الواقع بين الشام وبلاد الرافدين ، فإن السلوقيين وهم المتعلقون عاطفيا بالهلينية ، لم يعتمدوا على الشعب اليوناني ككل للامساك بزمام امبراطوريتهم الشاسعة . وربما لأنهم لم يجدوا يونانا بجوارهم ، أو مقدونية ، ولم يعتمدوا إلا على مجموعات مهاجرة صغرى « 2 » ، فقد لجأوا إلى إنشاء المدن ( Poleis ) حيث أقروا عناصر يونانية مقدونية . كانت نقطا يستندون إليها ، وجزرا للهلّينية تدعم هيمنتهم . وهكذا فإن ما بذلوه من جهود جبارة في إنشاء المدن يدخل ضمن خطة سياسية مهيأة « 3 » ، أكثر مما يتعلق الأمر بميل إلى التمصير يجب ترضيته ، أو حتى مشروع حضاري ، كما ارتآه مدّاحو الهلينية من النمط القديم ومنهم جونز Jones « 4 » . وهذا لا محالة هو وضع كل مشروع امبراطوري ، بما في ذلك الاتساعية الإمبراطورية العربية ، لكنّا نجد هنا إمبراطورية بعيدة عن قواعدها البشرية . إن ما يلفت النظر عند الرجوع إلى خارطة المنشآت الهلينية ، هو كثرتها في آسيا الصغرى والشام حيث يمكن ذكر أنطاكية العاصمة السياسية ، وآفامية المركز العسكري ، وسلوقية في بياريا ، واللاذقية مقر التجارة ، لكي ندرك ما كان من قوة للاستقرار المدني « 5 » . وقد توسعت الشبكة في بلاد الرافدين وامتداداتها إلى الجنوب ، وقلّت كثافة الحضور الهلّيني ، وتناقص عمقه أيضا . وقد ذكرنا أن بابل اصطبغت بالصبغة الهلينية السطحية في عصر متأخر ، وخلافا لذلك فإن سلوقية تحولت إلى مركز نشيط للهلينية الشرقية . فكانت مقرا للحاكم العام بمنطقة الشرق ، وأشرفت هكذا على الميدان الإيراني كله . كانت حاضرة مركزية حقيقية « 6 » عامرة بعدد مهم من السكان الذين كانوا خليطا من

--> ( 1 ) Rostovtzeff , I , p . 437 . ( 2 ) The Cambridge . . . , VII , p . 157 . ( 3 ) Ibid . , p . 157 . ( 4 ) Jones , op . cit . , pp . 31 , 32 . حيث يقول أن الشرقيين كانوا يريدون استيعاب الهلينية لأنهم كانوا « خجلين » من ثقافتهم « المتأخرة العتيقة » . ( 5 ) The Cambridge . . . , VII , pp . 157 - 161 . ( 6 ) Caetani , Annali , III , 2 , p . 836 ; The Cambridge . . . , VII , pp . 187 - 188 ; Pigulevskaja , pp . 62 - 63 . وقد اعترضت هذه الأخيرة عن حق على الفكرة القائلة بأن هناك أفولا تاما بعد سنة 165 . أما كتاب -